الشنقيطي
459
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
مصلحة من جلب نفع أو دفع ضر ، والطردي هو ما ليس كذلك ، إما في جميع الأحكام وإما في بعضها : ولا خلاف بين أهل الأصول في أن ما يسمى بغلبة الأشباه لا يخرج عن قياس الشبه ؛ لأن بعضهم يقول إنه داخل فيه ، وهو الظاهر . وبعضهم يقول هو بعينه لا شيء آخر . وغلبة الأشياء هو إلحاق فرع متردد بين أصلين بأكثرهما شبها به ؛ كالعبد فإنه متردد بين أصلين لشبهه بكل واحد منهما ؛ فهو يشبه المال لكونه يباع ويشترى ويوهب ويورث إلى غير ذلك من أحوال المال . ويشبه الحر من حيث إنه إنسان ينكح ويطلق ويثاب ويعاقب ، وتلزمه أوامر الشرع ونواهيه . وأكثر أهل العلم يقولون : إن شبهه بالمال أكثر من شبهه بالحر ؛ لأنه يشبه المال في الحكم والصفة معا أكثر مما يشبه الحر فيهما . فمن شبهه بالمال في الحكم كونه يباع ويشترى ويورث ، ويوهب ويعار ، ويدفع في الصداق والخلع ، ويرهن إلى غير ذلك من التصرفات المالية . ومن شبهه بالمال في الصفة كونه تتفاوت قيمته بحسب تفاوت أوصافه جودة ورداءة . كسائر الأموال . فلو قتل إنسان عبدا لآخر لزمته قيمته نظرا إلى أن شبهه بالمال أغلب . وقال بعض أهل العلم : تلزمه ديته كالحر زعما منه أن شبهه بالحر أغلب ، فإن قيل : بأي طريق يكون هذا النوع الذي هو غلبة الأشباه من الشبه ؛ لأنكم قررتم أنه مرتبة بين المناسب والطردي ، فما وجه كونه مرتبة بين المناسب والطردي ؟ فالجواب : أن إيضاح ذلك فيه أن أوصافه المشابهة للمال ككونه يباع ويشترى إلخ طردية بالنسبة إلى لزوم الدية ، لأن كونه كالمال ليس صالحا لأن يناط به لزوم ديته إذا قتل ، وكذلك أوصافه المشابهة للحر ككونه مخاطبا يثاب ويعاقب إلخ ؛ فهي طردية بالنسبة إلى لزوم القيمة : لأن كونه كالحر ليس صالحا لأن يناط به لزوم القيمة ، فهو من هذه الحيثية يشبه الطردي كما ترى . أما ترتب القيمة على أوصافه المشابهة لأوصاف المال فهو مناسب كما ترى . وكذلك ترتب الدية على أوصافه المشابهة لأوصاف الحر مناسب ، وبهذين الاعتبارين يتضح كونه مرتبة بين المناسب والطردي . ومن أمثلة أنواع الشبه غير غلبة الأشباه - الشبه الذي الوصف الجامع فيه لا يناسب لذاته ، ولكنه يستلزم المناسب لذاته ، وقد شهد الشرع بتأثير جنسه القريب في جنس الحكم القريب ؛ كقولك في الخل مائع لا تبنى القنطرة على جنسه ، فلا يرفع به الحدث ، ولا حكم الخبث قياسا على الدهن . فقولك « لا تبنى القنطرة على جنسه » ليس مناسبا في ذاته ؛ لأن بناء القنطرة على المائع في حد ذاته وصف طردي إلا أنه مستلزم للمناسب : لأن العادة المطردة أن القنطرة لا تبنى على المائع القليل ، بل على الكثير كالأنهار ، والقلة مناسبة ، لعدم مشروعية المتصف بها من المائعات للطهارة العامة . فإن الشرع العام يقتضي أن تكون أسبابه عامة الوجود . أما تكليف الجميع بما لا يجده إلا البعض فبعيد من القواعد ؛ فصار